الشنقيطي
165
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وإنما كان النصب هنا أرجح من الرفع لأنه معطوف على معمول فعل ، وهو قوله تعالى : خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ [ النحل : 4 ] الآية ، فيكون عطف الجملة الفعلية على الجملة الفعلية أولى من عطف الإسمية على الفعلية لو رفع الاسم السابق ؛ وإلى هذا أشار ابن مالك في الخلاصة بقوله عاطفا على ما يختار فيه النصب : وبعد عاطف بلا فصل على * معمول فعل مستقر أولا وقال بعض العلماء : إن قوله وَالْأَنْعامَ معطوف على الْإِنْسانَ من قوله خَلَقَ الْإِنْسانَ والأول أظهر كما تر . وأظهر أوجه الإعراب في قوله لَكُمْ فِيها دِفْءٌ أن قوله دِفْءٌ مبتدأ خبره لَكُمْ فِيها وسوغ الابتداء بالنكرة اعتمادها على الجار والمجرور قبلها وهو الخبر كما هو معروف . خلافا لمن زعم أن دِفْءٌ فاعل الجار والمجرور الذي هو لَكُمْ . وفي الآية أوجه أخر ذكرها بعض العلماء تركنا ذكرها لعدم اتجاهها عندنا ، والعلم عند اللّه تعالى . وقوله في هذه الآية الكريمة : وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ [ النحل : 6 ] يعني أن اقتناء هذه الأنعام وملكيتها فيه لمالكها عند الناس جمال ؛ أي عظمة ورفعة ، وسعادة في الدنيا لمقتنيها . وكذلك قال في الخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً [ النحل : 8 ] فعبر في الأنعام بالجمال ، وفي غيرها بالزينة . والجمال : مصدر جمل فهو جميل وهي جميلة . ويقال أيضا : هي جملاء ؛ وأنشد لذلك الكسائي قول الشاعر : فهي جملاء كبدر طالع * بذت الخلق جميعا بالجمال والزينة : ما يتزين به . وكانت العرب تفتخر بالخيل والإبل ونحو ذلك ؛ كالسلاح . ولا تفتخر بالبقر والغنم . ويدل لذلك قول العباس بن مرداس يفتخر بمآثر قبيلته بني سليم : واذكر بلاء سليم في مواطنها * ففي سليم لأهل الفخر مفتخر قوم هم نصروا الرحمن واتبعوا * دين الرسول وأمر الناس مشتجر لا يغرسون فسيل النخل وسطهم * ولا تخاور في مشتاهم البقر إلا سوابح كالعقبان مقربة * في دارة حولها الأخطار والعكر والسوابح : الخيل . والمقربة : المهيأة المعدة قريبا . والأخطار : جمع خطر - بفتح فسكون ، أو كسر فسكون - وهو عدد كثير من الإبل على اختلاف في قدره . والعكر - بفتحتين - : جمع عكرة ، وهي القطيع الضخم من الإبل أيضا على اختلاف في تحديد قدره . وقول الآخر :